ملحنو موسيقى الألعاب الحائزون على جوائز بافتا لا يرون الذكاء الاصطناعي كتهديد، بل يعتقدون أنه يمكن أن يغير فن الموسيقى بشكل جذري
آراء خبراء الموسيقى والألعاب حول استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى تتباين بشكل كبير. فبينما يرى البعض أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تمثل وسيلة رائعة لإنجاز المزيد بسرعة، هناك من يعارضها بشدة، خاصة في عالم الألعاب حيث كانت ردود الفعل على استخدام المطورين للذكاء الاصطناعي، سواء علنًا أو سرًا، عنيفة في بعض الأحيان.
لكن ما فاجأني هو سماع ثلاثة من أبرز ملحني الألعاب يعبرون عن وجهات نظر أكثر إيجابية تجاه الذكاء الاصطناعي وتأثيره المحتمل على موسيقاهم وعلى عالم التأليف بشكل أوسع. خلال مؤتمر تعليمي لموسيقى الألعاب نظمه مؤسسة بافتا، أشار أستورنت وينتوري، الذي لحن موسيقى لعبة "Journey" الفائزة بجائزة بافتا، إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل مجرد خطوة أخرى في تطور تكنولوجيا الموسيقى، ويمكن أن يفتح آفاقًا جديدة في طريقة التأليف والإبداع.
وفي حديثه، قال وينتوري: "فكرت منذ حوالي 15 سنة في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، عندما كنت أجلس أكتب النهاية الموسيقية لمقطع معين، وتساءلت: هل سيكون من الرائع أن يتم إنشاء شيء كهذا في الوقت الحقيقي استنادًا إلى الإشارات الموسيقية؟ توقعت أنه في يوم من الأيام ستوجد أداة قادرة على ذلك، وربما يكون ذلك مثيرًا للاهتمام."
كما أقر وينتوري بوجود مخاوف أخلاقية من استخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بجمع البيانات الإنسانية والتعامل معها بشكل غير دقيق، لكنه شدد على أهمية النظر إلى الأمر بعقل منفتح. وقال: "لست من المؤيدين بشكل مطلق للذكاء الاصطناعي، لكنني أرفض أيضًا أن أستبعده تمامًا، لأنه هناك الكثير من الأمور التي تثير قلقي. ومع ذلك، أعتقد أن في المستقبل، طفل في السابعة عشرة من عمره، بعد 10 أو 20 سنة، قد يبتكر شيئًا إبداعيًا ويحدث ثورة في الفن الموسيقي، تمامًا كما حدث مع اختراع جهاز تسجيل الأسطوانة الشمعية الذي غير مفهوم الناس عن الموسيقى."
وتوقع وينتوري أن يصبح استخدام الذكاء الاصطناعي في الموسيقى أمرًا مألوفًا بعد نحو 80 عامًا، حيث سيُدمج بشكل طبيعي مع عملية التأليف، تمامًا كما يستخدم العديد من الملحنين اليوم الأدوات الرقمية. ورغم أن هناك من يرى أن ذلك لا يُعتبر "تأليفًا حقيقيًا"، إلا أن وينتوري أشار إلى أن هناك دائمًا مدارس فكرية مختلفة، وأن هناك من لا يزال يعتقد أن التأليف الحقيقي يتطلب كتابة الموسيقى يدويًا.
الابتكار والتحدي في عالم الموسيقى
أما بوريسلاف سلافوف، ملحن موسيقى لعبة "Baldur’s Gate 3" التي فازت بجائزة بافتا، فيرى أن الذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة أداة يعتزم الاعتماد عليها بشكل كامل. لكنه يعتقد أنه دافع لإبداع ملحنين أكثر، في شكل لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينسخه.
وقال سلافوف: "الذكاء الاصطناعي لا يستطيع ابتكار شيء لم يُسمع من قبل، ولكن يمكن أن يكون ذلك صعبًا للاستماع إليه، لأنه يصعب على الآلة أن تُنتج شيئًا مثيرًا وعاطفيًا وفريد." وأضاف: "أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيبدأ في دفعنا نحو استكشاف مسارات جديدة، ربما تتخطى النظريات الموسيقية التقليدية، مثل تأليف موسيقى بدون هارمونات أو إيقاعات، أو حتى شيء أكثر غرابة وثراء."
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي هو أن يكون الملحنون قادرين على اتخاذ قرارات يدوية وواعية أثناء عملية التأليف والإنتاج، مما يصعب على الذكاء الاصطناعي تكراره. واعتبر أن هذا التفكير يفتح آفاقًا جديدة للإبداع، ويحفز الملحنين على الابتكار بشكل دائم.
تغيرات سريعة في عالم الموسيقى
أما جييسبر كيد، الملحن الذي فاز بجائزة بافتا لأعماله في ألعاب مثل "Assassin’s Creed"، فسلط الضوء على سرعة تطور الموسيقى، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا لعبت دورًا هامًا منذ زمن بعيد، خاصة مع ظهور آلات الطبول الرقمية التي أطلقت أنماط موسيقية جديدة، مثل الموسيقى الراقصة في بداياتها.
وقال كيد: "لم نكن لنخيل قبل 10 أو 20 سنة أن نسمع موسيقى الرقص الحديثة وثقافة الحفلات الجماهيرية، بسبب ظهور آلات الطبول الرقمية." لكنه أضاف بشكل فكاهي: "كنت أعتقد أن من المستحيل تعليم الذكاء الاصطناعي أن يُعاني من طفولة سيئة، ولكن الآن أقول ربما توجد خوارزمية لذلك."
مستقبل الموسيقى والذكاء الاصطناعي
بناءً على تصريحات هؤلاء الملحنين المرموقين، يبدو أن الذكاء الاصطناعي قد لا يُعد تهديدًا وجوديًا للموسيقى أو للفنون الإبداعية بشكل عام، إذا تم استخدامه كأداة لتعزيز الابتكار بدلاً من الاعتماد عليه كوسيلة للتهرب من العمل الإبداعي.
كما يتوقع بعض الخبراء أن تزداد الطلبات على الموسيقى الحية والأصيلة، خاصة مع تصاعد الوعي بقيمة الأداء المباشر والواقع الحقيقي. ويعتقد وينتوري أنه قد يكون هناك انتعاش كبير في الحفلات الموسيقية الصغيرة، حيث يُعرض الفن بشكل حي وبدون معدات إلكترونية، مع حضور الجمهور شخصيًا، وهو توجه يراه ملحّن الموسيقى برازخًا إيجابيًا.
ختامًا، بعد تجربتي الشخصية في مشاهدة أداء موسيقي حي لأبرز الملحنين خلال حفل بافتا للألعاب، أؤكد أن الموسيقى الحية تظل تجربة فريدة، وأتمنى أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة إيجابية تساهم في تطوير صناعة الموسيقى والألعاب في المستقبل.
